بقلم:نوف الخزامي
تأملتُ الجدار .. تلمستهُ بيدي ..
شيءٌ أخذ يعتصرُ قلبي بشدة .. شعرتُ بدوار .. وألمٍ .. وقشعريرة ..!
غابت الوجوه … لم أعد أسمعُ سوى أصواتٍ تأتي من بعيد .. من عُمق الماضي ..
- أستاذة .. الله يخليك .. طلعونا بدري اليوم .. بنروح نشجع المنتخب .. اليوم مباراتنا مع كوريا ..
نظرتْ إلينا أبلة حصة وهي تبتسم .. يالله .. كم أُحبها هذه الإنسانة ..
رغم شخصيتها القوية .. ورغمَ رزانتها .. كانت تُعاملنا بطريقةٍ حكيمة .. أكثر مِن رائعة ..!
كانت تهبطُ معنا لتُخاطبنا بأسلوب يُناسب تفكيرنا .. ثمّ ترتقي بنا إلى الأعلى دونَ أن نشعُر ..
لم نكُن نخافُ منها كباقي المعلمات .. كنّا نحبها .. ورغم ذلك نحترمها أكثر من أيّ معلمة أُخرى ..!
- وين بتشجعون ؟! في بيوتكم ؟ هه !
- إي يا أستاذة .. لا وبنلبس أخضر .. وبنربط ربطات خضراء .. وبنصبغ وجيهنا أخضر .. ههههه
لازلتُ أذكرُ حتّى اليوم ابتسامتها العذبة .. ونظرتها العميقة لنا ..
- بيجي يوم .. بتتذكّرون كلامكم .. وبتضحكون عليه ..!
صرختْ أسماء من الصف الخلفي ..
- لا يا أستاذة .. أنا حتّى لو أكبر باستمر أشجّع .. وبأجبر زوجي يشجّع .. وعيالي بعد …
ابتسمَت بشكلٍ أكبر ثمّ قالت بكلّ ثقة ..
- بيجي يوم بإذن الله وبتشوفووون !
***
تلمّستُ الجدار والألم لايزالُ يعتصِرُ قلبي ..
سألتُ الطالبات :
- ياااالله ! … فصلكم هذا ماصبغتوه من ست سنين ؟!
نظرنَ إليّ باستغراب ..
- ليه تسألين يا أستاذة ..؟
ابتسمت لهن وقلت بهدوء :
- في يوم من الأيام .. كنتُ طالبة في هذا الفصل !
نظرت الطالبات إلي باستغراب شديد .. وبدأ الفضول يسري بينهن وتعالت الأصوات ..
- صدق ؟؟ والله يا أستاذة ؟؟
- بالله يا أستاذة وين كنتي جالسة ؟ وييين ؟؟!
- من كم سنة انتي متخرجة ؟؟
شعرتُ بأني أخطأت بإخبارهن .. ولم يُنقذني من دوّامة الأسئلة سوى صوت صافرة انتهاء الحصة ..
***
كانَ ذلك يوميَ الأول في مدرستي التي تخرّجتُ منها منذُ خمسة أعوام ..
خرجتُ منها مراهقة بمريول رمادي .. وها أنا ذا أعود إليها معلمة ..!
وأدخلُ الفصل الذي احتضنَ أحلامي وشقاوتي وذكرياتي ..
أخذتُ أجول في ساحةِ المدرسة .. أنظُر لبعض الطالبات يجلسنَ هنا وهناك ..
أتذكّر مكان جلوسنا ..
ضحكاتنا ..
قصصنا الحالمة ..
كم أتمنى لو أجلس الآن في نفس تلك الأمكنة .. على الأرض ….
في حصّة فراغ .. خرجتُ للساحة ..
كلّ الطالبات في الفصول .. لا أحد يتجوّل هنا ..
استغللتُ الفرصة ..
وكأنّي أريد سرقة شيءٍ مّا ..
تسللتُ إلى ذلك المكان الذي كُنا نحبه .. في الممر الخلفي .. تحت نافذة المديرة ..
جلستُ على الأرض .. وأسندتُ ظهري للجدار ..
أخذتُ أتخيّل .. كيفَ كنا نجلس هنا .. .. كيفَ كنا نتحدّث ..
أُحاول أن أسترجع نفسيتي المرحة البريئة .. لكني لا أستطيع ..!
شعور غريب بدأَ يتسرّب إلي ..
شيءُ مخيف ..
أن تعودَ لنفسِ المكان ..
نفس الوضع ..
وتُحاول أن تتقمّص روحَ الماضي .. فلا تستطيع !
تكتشف أنّك مررتَ بتحوّل كبير ..
كيفَ مرّ الزمن بهذه السرعة ؟ سبحانَ الله !
أستنشِق بعض هواء الصباحِ النقيّ ..
ألتفتُ حولي ..
أنظرُ للممر .. كنتُ أعتقِد أنه أطول مما يبدو الآن ..!
هه .. الجدار أيضاً ليس عالياً كما كنت أتذّكر ..
كل شيءٍ كان مختلِفاً في نظري ..
كلّ شيء !
تذكّرت " أسماء " .. صديقتي الغالية .. ضحكاتنا .. أحاديثنا .. أسرارنا ..
وشجاراتنا الممتعة ..
كنتُ أعتقدُ أنها أوفى وأطيب إنسانة
المزيد